قلق مغربي حول إيران.. إلى أين تتجه المنطقة العربية؟

 


قلق مغربي حول إيران.. إلى أين تتجه المنطقة العربية؟

يطرح المغرب تساؤلات ومخاوف جادة حول الدور الإيراني في المنطقة العربية، نابعة من رصد لسياسات طهران وتحركاتها التي تراها الرباط "زعزعة للاستقرار وتدخلاً في الشؤون الداخلية للدول العربية". لا يقتصر هذا القلق على العلاقات الثنائية المتوترة بين البلدين فحسب، بل يمتد ليشمل رؤية مغربية أوسع لمستقبل وأمن المنطقة العربية ككل في ظل التمدد الإيراني.


​فيما يلي تحليل لأسباب القلق المغربي، وموقف المغرب من التغلغل الإيراني، وسيناريوهات مستقبل المنطقة العربية في ظل هذه المعطيات.



​أسباب القلق المغربي من إيران 


​يرجع القلق المغربي من إيران إلى عدة ملفات استراتيجية وأمنية ودينية متداخلة:


​دعم الانفصال والمس بالوحدة الترابية (الملف الأبرز): ​البوليساريو: يتهم المغرب إيران بدعم جبهة البوليساريو الانفصالية مالياً ولوجستياً وعسكرياً (بما في ذلك التدريب على الطائرات المسيرة)، وذلك عبر "حزب الله" اللبناني وسفارة إيران في الجزائر. هذا يعتبره المغرب خطاً أحمر يمس مباشرة "وحدته الترابية" وسيادته على الصحراء المغربية. وكان هذا هو السبب المباشر لقطع العلاقات الدبلوماسية مع طهران في عام 2018. ​التغلغل عبر الوكلاء وزعزعة الاستقرار: ​تفتيت الدول العربية: يرى المغرب أن النموذج الإيراني يعتمد على خلق كيانات مسلحة موازية للدولة (مثل "حزب الله" في لبنان، والحوثيين في اليمن، والميليشيات في العراق)، مما يؤدي إلى "بلقنة" المنطقة (تفتيتها إلى دويلات طائفية أو عرقية) وإضعاف مؤسسات الدولة المركزية. ​المشروع التوسعي والأيديولوجي (التشيع): ​اختراق المجتمعات: تتخوف الرباط من محاولات إيران نشر المذهب الشيعي "الاثني عشري" في المغرب والمجتمعات السنية الأفريقية (عبر مؤسسات دينية وثقافية)، ليس من باب "حرية المعتقد" وإنما كأداة "اختراق سياسي وأيديولوجي" لولاء الشعوب، مما يهدد الأمن الروحي للبلاد القائم على "إمارة المؤمنين" والمذهب المالكي الأشعري. ​التهديد للأمن الإقليمي الحليف (الخليج): ​العمق الاستراتيجي: يعتبر المغرب أمن دول الخليج العربي (خاصة السعودية والإمارات والبحرين) "جزءاً لا يتجزأ من أمنه الوطني". وقد قطع المغرب علاقاته مع إيران في 2009 تضامناً مع البحرين رداً على تصريحات إيرانية تمس سيادتها، ويواصل إدانة الهجمات الإيرانية أو المدعومة منها ضد حلفائه الخليجيين. ​موقف المغرب من التدخل الإيراني 



​يتبنى المغرب استراتيجية متعددة الأبعاد لمواجهة ما يصفه بـ"التهديد الإيراني":


​القطيعة الدبلوماسية: يعتمد المغرب سياسة حازمة تمثلت في قطع العلاقات الدبلوماسية عدة مرات (1981، 2009، 2018)، مع اشتراط "الاحترام المتبادل للسيادة والوحدة الترابية، والكف عن التدخل في الشؤون الداخلية، والامتناع عن دعم الكيانات الانفصالية" لإعادة أية علاقات. ​التنسيق الأمني والعسكري مع الحلفاء: يعزز المغرب اتصالاته الأمنية والعسكرية مع دول الخليج العربي والولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة ما يراه "تهديدات إيرانية مشترك". ​الدبلوماسية الهجومية: يستغل المغرب المنابر الإقليمية والدولية (الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، مجلس التعاون الخليجي) للتنديد بسياسات طهران، وحشد التأييد لموقفه، والربط بين الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي في شمال أفريقيا والساحل. ​الأمن الروحي: تشديد المراقبة على الأنشطة الدينية المشتبه بصلتها بالتشيع السياسي وتدعيم أسس "إمارة المؤمنين" كدرع روحي. ​إلى أين تتجه المنطقة العربية؟ (السيناريوهات) 


​إن القلق المغربي يعكس قلقاً عربياً أوسع حول مستقبل المنطقة، التي يبدو أنها تتجه نحو مسارات معقدة ومحفوفة بالمخاطر:


​سيناريو "المواجهة الإقليمية الأوسع": ​الاستمرار في سياسة "حافة الهاوية" بين إيران (ووكلاءها) من جهة، وإسرائيل وحلفائها العرب والغربيين من جهة أخرى، مما قد يؤدي إلى اندلاع "حرب إقليمية شاملة" لا يمكن التنبؤ بحدودها وتداعياتها الكارثية على الاقتصاد والأمن والمجتمعات العربية. ​سيناريو "استمرار التفتيت وتآكل الدولة الوطنية": ​نجاح الاستراتيجية الإيرانية القائمة على دعم الوكلاء، مما يؤدي إلى تحويل المزيد من الدول العربية إلى "ساحات للصراع بالوكالة"، وضعف أو انهيار مؤسسات الدولة الوطنية، وزيادة النفوذ الإيراني السياسي والعسكري في عواصم عربية إضافية. ​سيناريو "إعادة اصطفاف المحاور": ​تعميق الانقسام العربي بين محورين: محور "مناهض لإيران" (يضم دول الخليج ومصر والأردن والمغرب، بتنسيق أمني وعسكري مع واشنطن وإسرائيل) ومحور "موالٍ أو متقارب مع إيران" (يشمل نظام الأسد في سوريا وبعض القوى في العراق واليمن ولبنان)، مما يضعف العمل العربي المشترك. ​سيناريو "الحوار والتسوية (الأقل احتمالاً حالياً)": ​إدراك جميع الأطراف لاستحالة الحسم العسكري، مما قد يدفع نحو إطلاق "مسار حواري حقيقي" (بوساطة دولية أو إقليمية) يفضي إلى اتفاقيات جديدة تقوم على الاحترام المتبادل للسيادة ووقف التدخلات وتقديم ضمانات أمنية متبادلة، وهو سيناريو يبدو بعيد المنال في ظل التصعيد الحالي. ​الخلاصة 


​تعتبر الرباط الدور الإيراني تهديداً وجودياً للأمن القومي العربي وللاستقرار الإقليمي. إن السؤال المقلق الذي يطرحه المغرب حول "إلى أين تتجه المنطقة؟" هو دعوة لليقظة العربية والتحرك الجماعي لمواجهة مشاريع التمدد، وللتأكيد على أن أي استقرار مستقبلي لن يتحقق إلا بوقف التدخلات الخارجية واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية.



إرسال تعليق

0 تعليقات