جنرالات التفتيش في الجزائر يلاحقون شهادات ميلاد منتخبنا الوطني
آخر ما جادت به قريحتهم المريضة هذه الأيام من خلف الحدود.. هناك في دهاليز ثكنة عبلة بالجزائر بدعة جديدة سموها “المنتخب المستورد”. أخرجوها على عجل.. مباشرة بعد نهاية مباراة المغرب والبرازيل وكأنهم بذلك يحاولون التغطية على فضيحة انكساراتهم.
لقد ناموا ليلتها وهم يحلمون بكابوس يسقط فيه الأسود وروجوا في مقاهيهم وصحفهم بأن إفريقيا كلها لبست قميص “السامبا” نكاية في بلدنا.. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الحاقدين وسقط الرهان فوق عشب الملعب.. فبهر منتخبنا الدنيا بفنه وأخلاقه ولم يجدوا أمام هذا الطوفان من الإشادة العالمية سوى أن يفتشوا في دفاتر المواليد ليعلنوا ببلادة: (إنهم مستوردون!).
وهي كلمة تضحكني وتثير رثائي في آن واحد.. متسائلاً باستغراب:
من قال إن جواز السفر يصنع وطناً..!؟ أو أن شهادة الميلاد تحدد زاوية الانتماء في قلب الإنسان؟
عن أي استيراد تتحدثون والجنسية المغربية مثل الفصيلة الدموية لا تتغير ببعد المسافات؟!
نعم.. هؤلاء الشبان الذين ولدوا في صقيع أوروبا ونشأوا تحت أضوائها الباهرة لماذا لم تغرهم ملايين القارة العجوز ولا إغراءاتها؟.. لقد تركوا كل هذا المجد الغربي جانباً وجاءوا يركضون نحو راية الأم والأب.. نحن لم نشترِ ضمائرهم بالمال ولم نمنحهم جنسية فوق الرف بل هم أبناء طيور مهاجرة عادوا إلى الجذور والرحم الأصلي لأنهم ببساطة رضعوا حب هذا الوطن مع الحليب من ثدي أمهات مغربيات مخلصات لم تغيرهن الغربة.
حتى أن اللاعب الشاب أيوب بوعدي الذي أبهر العالم ببرود أعصابه ونضجه الكروي خلال مقابلة المغرب والبرازيل لم يكن غريباً عن هذه الروح بل نجده قد تابع مقابلة منتخب بلاده بشغف وفخر وهو طفل صغير خلال مونديال روسيا 2018 حاملاً حلم قميص الأسود في قلبه قبل أن يحمله على كتفه..
هذا هو التاريخ الحقيقي وهذه هي بطاقة الانتماء التي لا تُزور.
والحكاية ليست مجرد كلام في السياسة أو شعارات نرفعها.. الحكاية مشاعر حية يلمسها المرء لمساً.
فقد خرج رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم السيد فوزي لقجع مؤخراً ليعلن في لقاء إعلامي حقيقة أذهلت الكثيرين:
هؤلاء النجوم الكبار لم يطرحوا يوماً مسألة المكافآت المالية أو منحة اللقاءات.. بل هناك منهم من يتنازل عن مستحقاته بالكامل ويوزعها في صمت ومحبة على مستخدمي الفنادق والمطاعم وعمال النظافة المكلفين بخدمات الفريق..
هي نبل النفوس التي لا تبحث عن مغنم بل عن وطن اسمه المغرب
وفي سياق تفنيده لمنطق “الإغراءات المادية” المزعومة طرح لقجع سؤالاً استنكارياً مباشراً يعكس واقع الفوارق الشاسعة بين ميزانيات المنتخبات والرواتب الفلكية للأندية الأوروبيةقائلاً بوضوح: ( ما هو الإغراء المادي الذي يمكن أن أقدمه لحكيمي أو دياز..!؟ )
سؤال إنكاريّ ينسف البروباغندا البليدة لهؤلاء الجنيرالات ويكشف أن محرك هؤلاء النجوم هو العشق الحاضر في العروق وليس الأرقام في الحسابات البنكية.
وإذا كانت لغة الأرقام تستهوي أصحاب الأجندات فإن لغة الدموع لا تكذب أبداً..
وما زلت أذكر.. وتذكرون معي تلك اللقطة الساحرة والمبكية لأيقونة الفريق الشاب إبراهيم دياز وهو يجهش بالبكاء بحرقة وألم عند ضياع ضربة جزاء في نهائي كأس إفريقيا بالرباط.
مستفزّاً هؤلاء المشككين بسخريتي المعهودة:
هل هذه الدموع الحارة مستوردة هي الأخرى من مصانع أوروبا؟
هل تباع دموع الانكسار والغيرة على قميص الوطن في أسواق الغرب؟ أم أنه شريان الدم المغربي الصادق الذي انفجر من أعماق مقاتل دفاعاً عن تراب أجداده؟
وإذا كانت المفارقة تكمن دائماً في المقارنة.. سنجد ان الشاب المغربي يتسابق ليمثل بلد منبت كينونته نرى على الجانب الآخر هروباً جماعياً للاعبين يرفضون حتى مجرد ذكر اسم بلدانهم في الفضائيات فكيف بتمثيلها؟
والحقيقة اني قمت بمقارنة ظالمة وغير سليمة مع هذا الجار الذي عاش أكبر هجرة وتهجير هوياتي وسط شعوب هذه المنطقة المغاربية.
فشكراً جزيلاً للمدارس الأوروبية التي علمت وصقلت المواهب المغربية.. . لكن الانحناءة والفضل الكبير كله للرحم المغربي الذي حافظ على الجينات.. وللأب الصامد الذي غرس الغيرة في قلوب الصغار. لقد سقطت الأقنعة وتهاوت البروباغندا التي صدمتهم أول مرة حين زاروا المغرب في “الكان” ورأوا بأعينهم نهضة البلد وتحضّره عكس ما تروّج له آلتهم البليدة.
والآن..
دعوهم يفتشون في “شهادات الميلاد” كما يشاؤون، بينما الأسود في الميدان مشغولون بكتابة شهادات المجد.. التي لا تموت!
يوسف غريب – كاتب صحفي


0 تعليقات