جدل سياسي حول استمرار تأثير رؤساء جماعات معزولين في تدبير المجالس المنتخبة


 جدل سياسي حول استمرار تأثير رؤساء جماعات معزولين في تدبير المجالس المنتخبة


يثير استمرار بعض رؤساء الجماعات الترابية والمقاطعات الذين صدرت في حقهم قرارات قضائية بالعزل أو التوقيف في التأثير على تدبير المجالس المنتخبة جدلاً سياسياً وقانونياً متزايداً داخل الساحة السياسية المغربية، في ظل معطيات تشير إلى بقاء هؤلاء المسؤولين حاضرين في كواليس اتخاذ القرار المحلي رغم فقدانهم الصفة الانتخابية المرتبطة بتولي رئاسة الجماعات.


وتفيد معطيات متداولة في الأوساط السياسية بأن عدداً من الرؤساء السابقين ما زالوا يحتفظون بشبكات علاقات داخل المجالس الجماعية التي كانوا يدبرونها، سواء مع مستشارين منتخبين أو مع موظفين إداريين داخل الجماعات.


الأمر الذي يسمح لهم، وفق هذه المعطيات، بالتأثير في توجيه مواقف الأغلبيات داخل المجالس، والتدخل في متابعة عدد من الملفات والمشاريع التي سبق أن أطلقوها أو وضعوا أسسها قبل مغادرتهم مناصبهم.


ويذهب متابعون للشأن المحلي إلى أن هذا النفوذ غير المعلن يتجاوز أحياناً حدود التأثير السياسي ليطال تدبير ملفات مالية وصفقات عمومية ومشاريع تنموية كبرى، حيث تتحدث بعض المصادر عن استمرار التواصل بين مقاولين وشركات متعاقدة مع الجماعات وبين رؤساء سابقين تم عزلهم، وذلك بهدف متابعة تقدم الأشغال أو تسوية مستحقات مالية مرتبطة بصفقات سبق أن أُبرمت خلال فترة توليهم المسؤولية.


وبحسب المعطيات ذاتها، فإن هذه الوضعية خلقت حالة من الارتباك داخل عدد من الجماعات الترابية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديد الجهة المخول لها اتخاذ القرار أو الإشراف على تنفيذ مشاريع معينة، في وقت يفترض فيه أن تنتقل صلاحيات التدبير إلى جهات أخرى وفق ما ينص عليه القانون التنظيمي للجماعات.


هذا الجدل لم يبق محصوراً في النقاشات المحلية، بل امتد إلى المؤسسة التشريعية، حيث دخلت المعارضة البرلمانية على خط هذا الملف من خلال إثارة تساؤلات حول الكيفية التي يتم بها تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة بعزل رؤساء الجماعات الترابية والمقاطعات، وما يرافق ذلك من إشكالات قانونية وتدبيرية.


وفي هذا السياق، وجه مصطفى ابراهيمي، عضو المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمجلس النواب، سؤالا كتابيا إلى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت حول مسطرة تنفيذ الأحكام القضائية القاضية بعزل رؤساء الجماعات الترابية والمقاطعات، مسلطاً الضوء على الإشكالات التي قد تطرح خلال الفترة الفاصلة بين صدور الحكم القضائي وترتيب آثاره الإدارية.


وأوضح النائب البرلماني أن تنفيذ هذه الأحكام يثير إشكالاً قانونياً وتدبيرياً بالغ الحساسية، خاصة في الحالات التي يتم فيها تأييد الحكم استئنافياً، ومع ذلك يستمر الرئيس المعني بالأمر في مزاولة مهامه إلى حين مباشرة السلطة الإدارية لإجراءات التبليغ وترتيب آثار الشغور داخل المجلس الجماعي.


وأشار ابراهيمي إلى أن تأييد الحكم استئنافياً يكسبه حجية وقوة تنفيذية، ما لم يصدر قرار قضائي يقضي بإيقاف التنفيذ، وهو ما يترتب عنه من الناحية القانونية فقدان الصفة الانتخابية المرتبطة برئاسة الجماعة أو المقاطعة.


واعتبر أن استمرار الرئيس المعزول في هذه الحالة في توقيع أوامر بالصرف أو المصادقة على الصفقات أو اتخاذ قرارات إدارية قد يطرح إشكالات مرتبطة بسلامة الاختصاص ومشروعية التصرفات المالية والإدارية الصادرة عنه خلال تلك المرحلة.


وأضاف النائب البرلماني أن هذا الوضع قد يمس بمبدأ الأمن القانوني ويعرض المال العام ومصالح المرتفقين لمخاطر الطعن والنزاعات القضائية، خاصة إذا تعلق الأمر بقرارات أو التزامات مالية قد يتم الطعن في مشروعيتها لاحقاً بسبب إشكال الصفة القانونية للشخص الذي اتخذها.


وفي هذا الإطار، تساءل ابراهيمي عن المسطرة الزمنية الدقيقة المعتمدة لتنفيذ الأحكام القضائية النهائية القاضية بعزل رؤساء الجماعات الترابية والمقاطعات، مستفسرا عما إذا كان تنفيذ الحكم متوقفاً على مباشرة السلطة الإدارية لإجراءات التبليغ، أم أن الأثر القانوني لفقدان الصفة الانتخابية يترتب بمجرد صيرورة الحكم نهائياً بعد تأييده استئنافياً.


كما طرح النائب البرلماني تساؤلات إضافية تتعلق بالتكييف القانوني للقرارات الإدارية والالتزامات المالية التي قد تصدر عن رئيس جماعة تم تأييد حكم عزله استئنافيا خلال الفترة الفاصلة بين صدور القرار وترتيب آثار التنفيذ.


متسائلاً في الوقت ذاته عن التدابير المعتمدة من طرف وزارة الداخلية لضمان حماية المال العام وتفادي أي التزامات مالية قد تكون عرضة للطعن بسبب هذا الإشكال المرتبط بالصفة القانونية.


ودعا في هذا السياق إلى توضيح ما إذا كانت وزارة الداخلية تعتزم إصدار دورية أو توجيهات واضحة لتوحيد مسطرة تنفيذ أحكام العزل على المستوى الوطني، وذلك بهدف تفادي اختلاف التأويلات القانونية بين مختلف الجماعات الترابية وضمان التطبيق السليم لمقتضيات القانون.


ويأتي هذا النقاش في وقت تشهد فيه الساحة السياسية المغربية خلال الأسابيع الأخيرة حركية ملحوظة على مستوى تفعيل مسطرة العزل داخل عدد متزايد من الجماعات الترابية، في سياق يعتبره متابعون مرحلة دقيقة من إعادة ترتيب المشهد المحلي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المرتقب تنظيمها خلال شهر شتنبر المقبل.


وقد أعادت هذه الموجة المتتالية من القرارات القضائية والإدارية المرتبطة بعزل رؤساء جماعات إلى الواجهة النقاش حول معايير الحكامة داخل المؤسسات المنتخبة، ومدى التزامها بقواعد الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي المبادئ التي تشكل أحد المرتكزات الأساسية للإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.



إرسال تعليق

0 تعليقات