في ذاكرة الستينات.. حين التقى المغرب وإيران في زيارة ملكية نادرة

 


في ذاكرة الستينات.. حين التقى المغرب وإيران في زيارة ملكية نادرة

في يوم من أيام شهر يونيو من سنة 1966، استقبل المغرب حدثا دبلوماسيا بارزا تمثل في الزيارة الرسمية التي قام بها شاه إيران محمد رضا بهلوي إلى المملكة المغربية، وهي زيارة وُصفت في حينها بالتاريخية، بالنظر إلى ما حملته من أبعاد سياسية واستراتيجية، وما رافقها من اهتمام رسمي وإعلامي واسع، في سياق دولي وإقليمي بالغ التعقيد، كانت تتقاطع فيه تيارات فكرية وسياسية متعددة، أبرزها المد القومي العربي من جهة، وبعض التيارات الإسلامية المحافظة من جهة أخرى، إلى جانب توازنات الحرب الباردة التي كانت تلقي بظلالها على المنطقة.


وقد جرت أولى محطات هذه الزيارة عند وصول الشاه الإيراني إلى مطار الدار البيضاء، حيث كان في استقباله الملك الحسن الثاني بنفسه، في مشهد بروتوكولي يعكس المكانة التي أُريد لهذه الزيارة أن تحتلها في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.


ومنذ لحظة الاستقبال الأولى، بدا واضحا أن الأمر لا يتعلق بزيارة عادية، بل بحدث دبلوماسي يحمل رسائل متعددة المستويات، سواء على الصعيد الثنائي أو الإقليمي أو حتى الدولي.


وبعد مراسم الاستقبال الرسمي في المطار، توجه الموكب الملكي الذي ضم الملك الحسن الثاني والضيف الإيراني إلى مدينة المحمدية، حيث تمت برمجة زيارة ميدانية إلى معمل تكرير البترول، الذي كان يُعتبر آنذاك واحدا من أبرز المشاريع الصناعية الحديثة في المغرب المستقل، بل كان يُقدَّم كرمز للتحول الاقتصادي الذي كانت تعرفه البلاد في مرحلة ما بعد الاستقلال، في إطار سياسة تهدف إلى بناء اقتصاد وطني حديث ومتنوع.


واستمرت الزيارة على مدى أربعة أيام كاملة، تنقل خلالها شاه إيران رفقة الوفد المرافق له بين عدد من المدن المغربية، حيث شملت الجولة مدنا ذات رمزية تاريخية وثقافية وسياحية، من بينها مراكش بما تحمله من إرث حضاري عريق، وإفران بطابعها الجبلي المميز، وبني ملال بما تمثله من عمق مجالي وسط البلاد.


كما شملت الزيارة محطة مهمة في العاصمة الرباط، حيث وقف الوفد الإيراني على أشغال بناء ضريح الملك محمد الخامس، وهو المشروع الذي كان يحمل رمزية وطنية كبيرة باعتباره تخليداً لذكرى الملك الراحل ومكانته في تاريخ المغرب الحديث.


وخلال هذه الزيارة، نظم الملك الحسن الثاني حفل استقبال رسمي كبير على شرف ضيفه الإيراني والوفد المرافق له، في أجواء احتفالية تعكس حرارة العلاقات السياسية بين البلدين في تلك المرحلة.


وخلال هذا الحفل، ألقى شاه إيران محمد رضا بهلوي خطابا مطولا، عبر فيه عن امتنانه لحفاوة الاستقبال، مؤكدا أنه يشعر وكأنه في بلده الثاني، ومعتبرا أن المغرب وإيران ينتميان إلى فضاء حضاري واحد يجمعه ما سماه “الأسرة الإسلامية الكبرى”، في إشارة إلى الروابط الدينية والثقافية التي تجمع الشعوب الإسلامية رغم تباعد الجغرافيا.


كما توقف الشاه في خطابه عند العلاقات التاريخية التي تربط البلدين، مشيرا إلى وجود تواصل علمي وثقافي بين المشرق والمغرب عبر قرون طويلة، سواء من خلال حركة العلماء أو الطلبة أو الرحالة، مشيدا بشكل خاص بالرحالة المغربي ابن بطوطة الذي اعتبره من أبرز من وثقوا لبلاده تاريخيا، وأسهموا في نقل صورة حضارية عنها إلى العالم.


ولم يفت شاه إيران أيضا الإشادة بالتطورات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها المغرب بعد الاستقلال، معتبرا أن ما تحقق في فترة زمنية قصيرة يعكس إرادة سياسية واضحة للتحديث، ومؤكدا أن ذلك يشكل أرضية صلبة لإرساء تعاون ثنائي مثمر بين الرباط وطهران في مختلف المجالات، سواء الاقتصادية أو الثقافية أو العلمية.


وفي المقابل، كان الملك الحسن الثاني حريصا في كلمته خلال الحفل ذاته على إبراز أهمية هذه الزيارة من زاوية سياسية واستراتيجية، حيث سعى إلى ترسيخ صورة التقارب بين البلدين، مقدما شاه إيران بصفته “الإمبراطور”، وهو اللقب الذي كان يرتبط بمكانة خاصة داخل النظام الإيراني آنذاك، ومؤكدا في الوقت ذاته على أهمية توسيع مجالات التعاون بين البلدين في مختلف القطاعات.


كما ركز الملك الحسن الثاني في خطابه على البعد الإسلامي للعلاقات المغربية الإيرانية، مبرزا أن الإسلام، باعتباره رابطا جامعا بين الشعوب، يشكل أرضية صلبة يمكن أن تُبنى عليها علاقات تعاون وتضامن تتجاوز الاختلافات الجغرافية والمذهبية، داعيا إلى تعزيز أواصر الأخوة والتعاون بين الدول الإسلامية، في إطار رؤية تعتبر العالم الإسلامي فضاء واحدا يمكن أن يتكامل في ما بينه.


وقد انتهت هذه الزيارة، التي امتدت على مدى أربعة أيام، وقد تركت انطباعا قويا في المشهد الدبلوماسي آنذاك، ليس فقط باعتبارها زيارة بروتوكولية رفيعة المستوى، بل أيضا باعتبارها محطة سياسية عكست توجه المغرب في تلك المرحلة نحو تنويع علاقاته الخارجية، وبناء توازنات دبلوماسية جديدة، في سياق دولي وإقليمي يتسم بالتقلب والتنافس الحاد بين مختلف التيارات والقوى الدولية والإقليمية. 

إرسال تعليق

0 تعليقات