أضاحي بـ 4000 درهم.. مخاوف من استنزاف جيوب المغاربة
وجهت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية سؤالاً شفوياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مطالبة بالكشف عن التدابير الحكومية الآنية والصارمة لمراقبة الأسواق والحد من المضاربات في أسعار أضاحي العيد، وذلك حماية للقدرة الشرائية للأسر المغربية المنهكة.
وتأتي هذه المساءلة البرلمانية على بُعد أسابيع من حلول عيد الأضحى المبارك، في ظل قلق متزايد لدى المواطنين من تكرار سيناريوهات الغلاء، خاصة بعد سنة صعبة اتسمت بتوالي مواسم الجفاف وما خلفته من تداعيات على القطاع الفلاحي.
وفرة القطيع.. لغة الأرقام تصطدم بواقع الأسواق
وأبرزت البرلمانية فاطمة الزهراء باتا، في سؤالها الموجه للوزارة الوصية، مفارقة واضحة بين المعطيات الرسمية والواقع الميداني؛ إذ تشير أرقام وزارة الفلاحة إلى أن القطيع الوطني يبلغ حوالي 32.8 مليون رأس، وهو رقم يفترض نظرياً توفر الشروط الموضوعية لمرور هذه الشعيرة الدينية في ظروف عادية ومستقرة.
“غير أن الواقع الميداني يكشف استمرار الارتفاع الملحوظ في أسعار لحوم الأغنام، التي تفوق حالياً 120 درهماً للكيلوغرام، وهو ما سينعكس مباشرة وبشكل قاسٍ على أثمنة الأضاحي”.
أضاحي بـ 4000 درهم.. مخاوف من استنزاف جيوب المغاربة
وحذرت عضو المجموعة النيابية من التداعيات الاجتماعية لهذا الارتفاع، مشيرة إلى أن التوقعات الأولية ترجح أن تتراوح أثمنة الأضاحي بين 3000 و4000 درهم كحد أدنى، الأمر الذي يطرح تساؤلات حقيقية وجوهرية حول قدرة فئات واسعة من المواطنين، ذوي الدخل المحدود والمتوسط، على تحمل هذه التكاليف الباهظة في ظل الظرفية الاقتصادية الراهنة.
وخلص السؤال البرلماني إلى استفسار الوزير المكلف بالقطاع عن كيفية ضمان توازن فعلي وحقيقي بين العرض والطلب، بما يحافظ على استقرار الأسعار ويقطع الطريق على الوسطاء والمحتكرين.
المضاربة.. “العدو الخفي” للقدرة الشرائية
ويرى مراقبون للشأن الاقتصادي والاجتماعي أن أزمة غلاء الأضاحي في المغرب نادراً ما ترتبط بندرة العرض، بل تعود بالأساس إلى غياب المراقبة الصارمة للأسواق، وتدخل “الشناقة” (المضاربين) الذين يعمدون إلى احتكار القطيع لرفع الأسعار بشكل مصطنع.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة اليوم، ليس فقط في توفير الدعم لمستوردي الأغنام أو إعلان أرقام الوفرة، بل في تفعيل لجان المراقبة الميدانية، والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه استغلال هذه الشعيرة الدينية لاستنزاف جيوب المغاربة المنهكة أصلاً بفعل التضخم.
_________________
ماشية متوفرة وأمطار منعشة .. بوادر مريحة للمغاربة في عيد الأضحى
على بُعد شهرَين ونيّف من حلول عيد الأضحى المبارك لسنة 2026 بدأت تلوح في الأفق بوادر طمأنة للمغاربة، إذ تتحالف مؤشرات “الوفرة الميدانية” مع التفاؤل المهني، راسمة ملامح “موسم استثنائي” يتجاوز تحديات سنوات عجاف مضت.
كل ذلك بفضلِ التساقطات المطرية الأخيرة التي أنعشت المراعي ووفرت الكلأ الطبيعي، مع بلوغ تعداد القطيع الوطني “رقما قياسيا غير مسبوق” بـ30,6 ملايين رأس، ما يعزز العرض المحلي ويَعد بـ”استقرار ملحوظ في الأسعار يضمن تلبية احتياجات المواطنين بمختلف فئاتهم”، بحسب مهنيين.
هذا الزخم الميداني أتى متطابقاً مع تأكيد سابق للناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية، الأسبوع الماضي، مفاده أن العيد هذه السنة سيمر في “ظروف عادية” بفضل حزمة إجراءات استباقية ودعم مالي مباشر لإعادة هيكلة قطاع المواشي؛ كما يتقاطع مع الدينامية اللوجستية للجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز (ANOC) التي اعتمدت “نظاماً رقمياً متطوراً للتتبع وتجهيز 30 سوقاً نموذجياً” بتنسيق مع الوزارة الوصية؛ في إستراتيجية وطنية متكاملة تهدف إلى ضبط مسارات التسويق، و”تقليص دور الوسطاء”، لضمان وصول الأضحية من “الكسّاب” إلى المستهلك في شفافية، وفق ما استقته هسبريس من معطيات.
“في المتناول”
جواد كريم، فلاح “كسّاب” من منطقة سوق السبت أولاد النمة (إقليم بني ملال)، أفاد بأن الدعم الحكومي بدأ يجد طريقه فعلياً إلى المهنيين، إذ باشرت اللجان المختصة عمليات الإحصاء والتحقق من حالة القطيع ميدانياً، وأكد، في حديثه لهسبريس، أن “التساقطات المطرية الأخيرة أحدثت تحولاً إيجابياً كبيراً في نفسية المربّين، خاصة في مناطق مثل ‘الرحامنة’، ما دفعهم إلى التمسك بـ’الإناث’ لضمان استمرارية الإنتاج وتجديد القطيع، وهو ما يعتبر مؤشراً إيجابياً جداً يستبق العيد”.
وبخصوص أضاحي العيد طمأن المربّي ذاته المواطنين بأن “العرض وفير جداً ويتجاوز الطلب المتوقع بكثير”، مشيراً إلى أن “العديد من رؤوس الأغنام لم يتم إحصاؤها بعدُ، ما يعزز الوفرة”؛ كما توقّع أن تكون الأسعار “في المتناول”، بتوصيفه، وزاد: “ستتراوح عموماً ما بين 2000 و3500 درهم، وقد تصل إلى 6000 درهم بالنسبة للأصناف الممتازة جداً”، مؤكداً أن “السوق سيعرف اتجاهاً تنازلياً في الأسعار بفضل وفرة الكلأ في المراعي وانخفاض تكاليف الأعلاف”.
من جانبه شدد ميلود، وهو “كسّاب” من منطقة شيشاوة، على أن “أسعار الأضاحي هذا العام ستكون في متناول الجميع”، وأضاف، ضمن تصريح لهسبريس، أن “الوضعية تختلف تماماً عن السنة الماضية”، مردفا بأن الأمطار التي شهدتها الأشهر الأخيرة حوّلت المراعي إلى “مخازن طبيعية للأعلاف”، إذ تحول العشب إلى “حبوب غنيّة متكاثرة”، ما ساهم في “تسمين” القطيع بشكل طبيعي وجيد.
وأكد المهني ذاته أن “القدرة الشرائية للمغاربة سيتم احترامها، إذ يمكن لكل فئة أن تجد ما يناسب ميزانيتها في ظل الوفرة الحالية”.
منهجية واستقرار
يرى سعيد شاطبي، المدير العام للجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز (ANOC)، أن هناك مؤشرات قوية على انخفاض الأسعار مقارنة بموسم “العيد الكْبير” ما قبل الماضي (2024-2025) الذي عرف جفافاً حاداً، وقال بهذا الشأن: “توافر الكلأ الربيعي والمراعي يقلل بشكل مباشر وغير مباشر من تكاليف الإنتاج والضغوط على المربين”، متوقعاً أنْ “يشهد السوق استقراراً كبيراً وأثمانا معقولة، خاصة مع اقتراب موسم الحصاد وتوفر التبن والشعير”.
وأدلى شاطبي، في تصريح لهسبريس، بتفاصيل تقنية ولوجستية دقيقة حول استعدادات الجمعية ووزارة الفلاحة لعيد الأضحى، مركّزاً على اعتماد “منهجية رقمية جديدة لترقيم الأضاحي”، وأورد موضحا: “هذا العام ستعتمد منهجية رقمية مبتكرة تختلف عن السنوات الماضية؛ فبدلاً من إعادة وضع حلقات جديدة لقطيع تم ترقيمه سابقاً بشكل شامل سيتم استخدام تطبيق معلوماتي يسمح للمرقّمين بمسح الحلقة الموجودة وتدقيق بيانات ‘الكساب’ والموقع الجغرافي. وتهدف هذه التقنية إلى تعزيز نظام ‘التتبع’ (Traçabilité)، ما يتيح العودة إلى أصل أيّ أضحية في حال ظهور أي مشكل صحي أو تقني”.
كما كشف المدير العام لـ”ANOC” عن أرقام “غير مسبوقة في تاريخ المغرب”، بتوصيفه، حيث بلغ إحصاء قطيع الأغنام والماعز 30.6 مليون رأس (وفق إحصائيات رسمية، غشت 2025)، وهو رقم يتجاوز، وفقه، “المعدلات المعتادة التي كانت تتراوح بين 25 و26 مليون رأس”، وزاد: “هذا الارتفاع الكبير في الأعداد يضمن عرضاً وافراً يلبي احتياجات السوق الوطنية ويزيد”.
واستحضر المسؤول المهني عينه “تنظيمَ 30 سوقاً نموذجياً في المدن الكبرى (مثل طنجة، الرباط، مراكش، وجدة، وغيرها)، بالتعاون مع مديرية تنمية سلاسل الإنتاج بوزارة الفلاحة”، وختم: “الهدف من هذه الأسواق هو تقريب ‘الكساب’ مباشرة من المستهلك، وتوفير فضاءات مهيأة ومنظمة للبيع في المدن التي لا تعرف إنتاجاً كبيراً، ما يساهم في ضبط الأسعار والحد من الوسطاء”.
_______________________




0 تعليقات