المسؤولية المعنوية لمن يجيّشون الشباب والمتطرفين ضد بلادهم المغرب بسبب حرب إيران
أصوات عديدة ترتفع من أجل التشكيك في موقف المغرب من الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وأخرى تعتبر بأن نصرة إيران واجب ديني، والعلاقة مع أمريكا ودول الخليج جريمة وخضوع للصهيونية… هذا إن لم يهاجم أصحابها «اليهود»!
صار من ثوابت الحروب التي تنشب في الشرق الأوسط أن تكون لها امتدادات متطرفة في المنطقة العربية الإسلامية عموماً، وعلى المغرب خصوصاً. ذلك أن هذه المواجهات المسلحة تكون دائماً مصحوبة بخطاب متطرف سريع الانتشار، محمول على روافع دينية وأيديولوجية غاية في التجييش.
وقد شاهدنا ذلك منذ تسعينات القرن العشرين في الحرب الروسية الأفغانية، وما أنجبته من حركات ومنظمات إرهابية، لعل أهمها «القاعدة» بقيادة أسامة بن لادن، وما تلاها من تجنيد في أوساط الشباب المسلم في بقاع العالم.
والمغرب بدوره لم يسلم من «الأفغان المغاربة»، الذين احتضنتهم بعض الحركات والجمعيات المغربية.
وسيقع نفس الشيء، وبعنف أكبر، مع حرب الخليج الأولى والثانية، متجسدة في الحرب على العراق التي صاحبتها موجة جديدة من «القاعديين» الجهاديين المتطرفين. وقد كان للمغرب قسطه من الآثار الدموية، كان وراءها مقاتلو حركات القاعدة في العراق أمثال أبو مصعب الزرقاوي وأمثاله، الذين ضربوا المغرب في تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003.
ثم لما تفكك العراق، وعاشت المنطقة ميلاد دولة «داعش» في المشرق، توالت موجات الاستقطاب داخل المغرب وخارجه، وفي أوساط مغاربة العالم وغير ذلك من الجهات.
وكان الوقود الرئيسي لعمليات الشحن الأيديولوجي الإرهابي هو تخوين البلاد وتخوين نظامها، وتقديم الدولة في المغرب كدولة خاضعة للإملاءات الإسرائيلية والأمريكية، وفي خدمة أعداء الإسلام… والحكاية معروفة!
من المخيف أن عمليات التجييش والاستقطاب عادت بقوة مع حروب الشرق الأوسط الجديدة، منذ السابع من أكتوبر إلى اليوم، مروراً بحرب غزة وما يُسمّى بحرب إيران الأولى.
ونشطت نفس الهجمات والسرديات العدوانية، وتابعنا تصريحات عنيفة ولا مسؤولة لسياسيين ونشطاء معروفين، يتحدثون عن نصرة إيران ضد الحلفاء، ويطالبون المغرب بـ«التوبة» عن علاقاته الدبلوماسية، ويخوّنون كل من دافع عن أولوية مصلحة المغرب وقضاياه الوطنية.
وهناك اليوم، في المواقع المعروفة لأصحابها، وفي بيانات بعض التيارات السياسية، ومنها العاملة في المشروعية، وفي الوسائط الاجتماعية، حالة شحن غير مسبوقة، فيها الداخلي والخارجي، وما يجمعها هو تقديم المغرب كما لو أنه دولة تخوض حرباً ظالمة في المنطقة.
كما يعمل أصحابها على نشر الأخبار المزيفة عن نقل الأسلحة عبر موانئ المغرب، وتقديم تصريحات المسؤولين المغاربة كما لو أنها «خنوع» لإسرائيل (كذا)، وليس مواقف محكومة بالشروط الدبلوماسية المعروفة عالمياً.
لا نشك أن بلادنا، مثل كل بلدان العالم، قد أنشأت لجاناً ومجموعات عمل ويقظة أمنية لتتبع مسارات هذا التجنيد والاستقطاب الحاصل في العالمين الرقمي والواقعي، في بلاد يزور فيها 90٪ من شبابه هذه المواقع والوسائط.
كما لا نشك أن بلادنا طورت جهازها الأمني بشكل ناجع وفعال، قادر على التفاعل مع هذه الاحتمالات المأساوية لا قدر الله.
ومع ذلك، نثير الانتباه، لا سيما لدى السياسيين الذين يتحملون مسؤوليات جسيمة، إلى أن هذا الكوكتيل الانفجاري الجامع بين التهويل الأيديولوجي، وشعارات مناهضة الإمبريالية والتوسع الأمريكي، والخطاب الديني والعقائدي، المقدم على طبق المواقع الرقمية والإخبارية، يمكن أن يشكل مادة قابلة للانفجار.
ولا شك أن «أجهزة اليقظة» لا يمكن أن تغفل الانتشار المتزايد لهذه الوصفات، والتركيز على شيطنة المغرب في انتقاداتها، لكنها كذلك لا تغفل أن هذا يشكل، كما في السابق، مشتلاً وتربة خصبة للتيارات الجهادية والإرهابية.
صار من المعروف أن التكتيكات الهجومية والحروب الهجينة تتعدد، من الهجمات الكلاسيكية إلى الهجمات السيبرانية التي عشنا بعضها، ويمكن أن تتطور إلى استهداف الأمن السيبراني في النقل البحري أو المطارات أو منصات الكهرباء… إلى غير ذلك.
هل نبالغ في هذه التخوفات؟
في الواقع، نقول إن هذه الأنشطة الدعائية ضد المغرب، في لحظة غموض كبيرة، أصبحت تهدد ما بنته بلادنا منذ قرابة ربع قرن من تحصينات سياسية وعقدية وثقافية ومؤسساتية وأمنية ضد الخطر الإرهابي، لمواجهة الخطر القادم من الخارج، كما يحدث دوماً ضد البلاد والعباد.
والمسؤولية ثابتة في حق من لا يراعي الأمن والاستقرار!


0 تعليقات