”أنبياء المغرب”..القصة الكاملة لظهور ونهاية “نبي الكمياء” في القصر الكبير
”أنبياء المغرب”..القصة الكاملة لظهور ونهاية “نبي الكمياء” في القصر الكبير
“أنبياء المغرب”: سلسلة تنشر على شكل حلقات طيلة شهر رمضان، بمنبر ”آشكاين”، تنبش في الذاكرة التاريخية المغربية، وتقتفي أثر قصص ”أنبياء” و”رسل”، أو ما يمكن أن يوصفوا بذلك؛ ارتبطت أسماؤهم بهذه الأرض.
في كل حلقة، هناك محاولة للغوص في ثنايا الحكايات الشعبية والمتون المنسية، لنكتشف كيف احتضن المغرب عبق النبوات، وكيف خلد المغاربة في وجدانهم أماكن ومزارات قيل إنها شهدت مرور أنبياء أو من هم كذلك...
الحلقة8: ابن أبي الطواجين
في أواخر القرن السادس الهجري (حوالي 590 هـ / 1194 م)، ولد محمد بن أبي خلف الكتامي، المعروف بلقب “ابن أبي الطواجين”، في مدينة القصر الكبير (قصر كتامة تاريخيا).
نشأ هذا الرجل في أحضان والده الذي كان بارعا في “صناعة الكيمياء”، وهو ما أكده المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى”، مشيرا إلى أن لقبه اشتق من كثرة الأواني (الطواجن) التي كان يستعملها والده في تجاربه المخبرية وصهر المعادن.
انتقل ابن أبي الطواجين إلى مدينة سبتة ومنها إلى أحواز وادي لاو بين قبائل بني سعيد وبني حسان، وفق ما تشير إليه ذات المصادر التاريخية.
في عام 625 هـ (1227 م)، استغل ضعف الدولة الموحدية ليعلن نبوته. وبحسب ما أورده عبد العزيز الثعالبي في “تاريخ شمال إفريقيا”، فإن ابن أبي الطواجين لم يكتفِ بالادعاء اللفظي، بل سنَ شريعة جديدة اعتبرها أتباعه “ناسخة” للشرائع السابقة، وظف فيها خبرته الكيميائية لإظهار “خوارق” أبهرت العوام، فاعتقدوا بصدق وحيه وقدرته على تصريف الأمور الغيبية.
كانت ديانة “نبي غمارة” مزيجا من الطقوس المحلية والاعتقاد في “الكيمياء المقدسة”؛ حيث تشير مصادر التي لخصها الباحث في التاريخ يوسف منصف، إلى أنه كان يمارس العرافة والسحر، ويجذب إليه الجموع عبر وعود بالثراء والتحصين الروحي.
بالرغم من نعته بـ”المفتري” في بعض المراجع، إلا أن حركته كانت تعبيرا عن رغبة قبائل الأمازيغ في الشمال في إيجاد زعامة روحية مستقلة تكسر هيمنة المركز.
بلغ الصراع ذروته حين اصطدم ابن أبي الطواجين بالقطب الصوفي عبد السلام بن مشيش، الذي عارض دعوته بالحجة والدليل. ويروي الشيخ محمد بن جعفر الكتاني في “سلوة الأنفاس”، أن ابن أبي الطواجين خطط لاغتيال بن مشيش بعدما أصبح عقبة أمام طموحاته، وبالفعل تمكن أتباعه من قتل القطب وهو يتوضأ لصلاة الصبح عند “عين القشور” بجبل العلم سنة 1227 م.
لكن نهاية “نبي الكيمياء” كانت درامية ومباغتة أيضا؛ فوفقا للروايات المتواترة التي سجلها الناصري في “الاستقصا”، قام مريدو بن مشيش بقيادة “سيدي الصعيدي” بتعقبه، حيث تنكر الصعيدي في زي امرأة ليتمكن من اختراق حصونه والدخول عليه في خلوته، فقتله طعنا بالسكين في نفس العام (625 هـ / 1227 م).
وبموته، طويت صفحة ”نبي” حاول مزج العلم التجريبي بالقداسة الدينية ليحكم جبال الريف، تاركا وراءه قصة صراع دامت قرونا بين “سحر الكيمياء” و”نور التصوف”.



تعليقات