تزامنت مع رمضان.. رسالة الملك الحسن الثاني التي أملاها هاتفيا لحل أزمة الفلسطينيين سنة 1985


قصة التاريخية 

تزامنت مع رمضان.. رسالة الملك الحسن الثاني التي أملاها هاتفيا لحل أزمة الفلسطينيين سنة 1985


الملك الحسن الثاني في أحد استقبالاته العديدة لياسر عرفات


في عز أزمة القضية الفلسطينية، خلال التوتر بين لبنان وما عرف وقتها بقضية اللاجئين في المخيمات، ربيع سنة 1985، والذي تزامن مع شهر رمضان المبارك، تدخل الحسن الثاني واقترح عقد قمة طارئة لدول أعضاء الجامعة العربية لحل الخلاف بين الفرقاء اللبنانيين والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.


وفاجأ الملك الراحل الجميع، خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب، باتصاله الهاتفي بالسفير محمد التازي، ليملي عليه رسالة شفهية يتولى تلاوتها على مسامع الحاضرين يدعوهم فيها لإخبار الرؤساء والملوك العرب بضرورة عقد قمة طارئة لحل الخلاف، في تضامن مغربي سبّاق مع الفلسطينيين.


السفير محمد التازي سجل في أرشيفه الشخصي نص الكلمة التي أملى عليه الملك الراحل خطوطها العريضة هاتفيا ونواصل هنا عرضها، يقول:


«وتضيف رسالة جلالة الملك:


إن المغرب يقترح عقد قمة طارئة، لأن المشاكل المطروحة، من حيث حجمها، ومن حيث أبعادها وعواقبها لا يمكن أن تجد لها حلا معقولا، ومنصفا ومشرفا بالنسبة لقضاء التاريخ وحكمه علينا إلا في إطار اجتماع قمة طارئ لا علاقة له بالقمة العادية التي ستنعقد إن شاء الله بالمملكة العربية السعودية.


ومما لا شك فيه أن أصدقاءنا في الوفود العربية المجتمعين الآن سيلمسون هم أنفسهم خطورة الموقف، ومما لا شك فيه أيضا أنهم سيعيرون لمقترحنا هذا الأهمية اللائقة به، ولي كامل الثقة بأن الركب سيكون جاهزا للموعد الذي ضربه له التاريخ.


انتهى نص الرسالة الملكية، ثم عقب جلالته قائلا:


– يمكن أن تعقب أثناء المناقشة، بأننا كنا في غنى عن هذا الجهد الذي نبذله سدى لو أن الدول العربية احترمت كلمتها ونفذت قراراتها بعقد القمة تلقائيا كل سنة.. واتصل بي عند انتهاء الاجتماع، وادخل إلى المغرب بعد انتهاء الدورة.


وعدتُ إلى قاعة الاجتماع فوجدت المناقشات حامية، التهم بالتدخل والتآمر توزع يمينا وشمالا، وأعلنت للمجتمعين أن عند الوفد المغربي رسالة مستعجلة من جلالة الملك الحسن الثاني إلى السادة وزراء الخارجية.. وتلوت الرسالة الملكية ودار حولها نقاش طويل، وحاولت بعض الوفود أن تتهرب من تحمل المسؤولية وأنها، مع تقديرها للدوافع الملكية النبيلة، فإن موضوع القمة من اختصاصات الملوك والرؤساء العرب، وأن المؤتمر أخذ علما بالاقتراح الملكي، وعلى الأمين العام للجامعة أن يوزع الرسالة على الدول العربية.. ولعل من المفيد أن أسجل هنا بعض تدخلات الأعضاء لتوضيح التفكير السياسي العربي في تلك المرحلة من العمل العربي المشترك».


كان لا بد أن يسجل التازي، أيضا، تباين رد الفعل الرسمي لوزراء خارجية الدول العربية الحاضرة في الاجتماع الذي تلا فيه محمد التازي نص الرسالة الملكية، وقد ذكرها، في مذكراته الشخصية، كما يلي:


«فاروق الشرع وزير خارجية سوريا:


-إن الدعوة لعقد قمة طارئة غير واضحة الأهداف، وغير متفق على جدول أعمالها، ستزيد في تمزيق الواقع العربي، ومن حقنا أن نقول إننا نخشى أن يستغل البعض هذا المؤتمر ليطرح أمورا وتحركات خطيرة تجري في الوقت الراهن، يراد تغطيتها بقمة طارئة.


الباجي قايد السبسي وزير خارجية تونس:


-إن سياسة تونس واضحة، وهي أننا مع أي حوار وأي اجتماع عربي، ومن خلال المناقشات، فإننا نخشى أن الجو العربي العام غير مناسب لعقد قمة طارئة ولسنا متحمسين لانعقادها.


الطالب الإبراهيمي وزير خارجية الجزائر:


-نحن اجتمعنا لدراسة أوضاع المخيمات، فإذا فشل اجتماعنا هذا يمكن أن ندعو إلى قمة طارئة، أما إذا نجحنا في اتخاذ موقف تجاه ما دعينا إليه، فلا ضرورة لعقد قمة طارئة، والجزائر مع القمة العادية التي تقرر عقدها في المملكة العربية السعودية.


بينما أيدت بحماس عقد القمة، السعودية، العراق، منظمة التحرير، اليمن، الأردن وجيبوتي، ونوه وزراء خارجية هذه الدول بمبادرة جلالة الملك. وعقب رئيس الوفد المغربي على تدخلات سوريا، وتونس والجزائر، مؤكدا أن هذا الاجتماع لن يستطيع سوى الدعوة لوقف المجزرة ضد الفلسطينيين، وهذا حل مؤقت قد يستمر – إذا نفذ – بعض الوقت، ولكنه قابل للتكرار إذا لم يوضع له حل نهاني، ولا يستطيع وزراء الخارجية، مهما كانت صلاحياتهم، أن يبثوا في موضوع خطير كهذا وأن الحل النهائي لن يكون إلا في إطار قمة طارئة.


وأصدر الاجتماع قراره رقم 4470 بالموافقة المبدئية على اقتراح جلالته ورفعه إلى حكوماتهم لتلقي توجيهاتها، بشأن عقد قمة طارئة، ونقل هذه التوجيهات إلى المجلس في اجتماعه الذي تقرر عقده يوم 1985/6/24. وكان هذا التاريخ سيصادف اليوم الخامس أو السادس من شهر شوال من عام 1405. وانفض الاجتماع ليلحق الصائمون وقت السحور قبل أذان الفجر..».

 

تعليقات

المشاركات الشائعة